ابن عساكر

206

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

فرفعت الحب فما مضت إلّا سنون من خلافته حتى فنيت تلك الغوالي واحتاج إلى أن عجن غالية بمال عظيم . قال أبو محمد عبد اللّه بن حمدون « 1 » : قال لي المعتضد ليلة وقد قدم له عشاء : لقّمني ، قال : وكان الذي قدّم فراريج ودراريج ، فلقمته من صدر فرّوج فقال : لا ، لقّمني من فخذه ، فلقمته لقما ، ثم قال : هات من الدراريج « 2 » ، فلقّمته من أفخاذها ، فقال : ويلك هو ذا تتنادر عليّ ؟ ! هات من صدورها ، فقلت : يا مولاي ، ركبت القياس ، فضحك ، فقلت : إلى كم أضحكك ولا تضحكني ؟ قال : شل المطرح وخذ ما تحته . قال : فشلته فإذا دينار واحد ، فقلت : آخذ هذا ؟ فقال : نعم ، فقلت : يا للّه هو ذا تتنادر أنت الساعة عليّ ! خليفة يجيز نديمه بدينار ؟ ! فقال : ويلك لا أجد لك في بيت المال حقا أكثر من هذا ، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئا ، ولكن هو ذا أحتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار ، فقبّلت يده ، فقال : إذا كان غدا وجاءني القاسم - يعني ابن عبيد اللّه - فهو ذا أسارّك - حتى تقع عيني عليه - سرارا طويلا التفت فيه إليه كالمغضب ، وانظر أنت إليه في خلال ذلك كالمخالس لي نظر المترثي له ، فإذا انقطع السرار فيخرج ولا يبرح الدهليز أو تخرج ، فإذا خرجت خاطبك بجميل وأخذك إلى دعوته ، وسألك عن حالك ، فاشك الفقر والخلة وقلة حظك مني ، وثقل ظهرك بالدين والعيال ، وخذ ما يعطيك ، واطلب كلّ ما تقع عينك عليه ، فإنه لا يمنعك حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار ، فإذا أخذتها ، فسيسألك عما جرى بيننا ، فأصدقه ، وإياك أن تكذبه وعرّفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك هذا ، وليكن إخبارك له بعد امتناع شديد ، وأحلاف منه لك بالطلاق والعتاق أن يصدّقه ، وبعد أن يخرج من داره كل ما يعطيك « 3 » . فلما كان من غد حضر القاسم ، فحين رآه بدأ يسارّني ، وجرت القصة على ما واضعني « 4 » عليه ، فخرجت فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني ، فقال : يا أبا محمد ، ما هذا

--> ( 1 ) رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد 4 / 405 - 406 من طريق علي بن المحسن التنوخي بسنده إلى ابن حمدون . ( 2 ) الدراج كرمان طائر شبه الحيقطان ، وهو من طير العراق . ( تاج العروس : درج ) . ( 3 ) في تاريخ بغداد : وبعد أن تخرج من داره تأخذ كل ما يعطيك إياه وتحصله في بيتك . ( 4 ) تاريخ بغداد : واضعته عليه .